مما يُلمِح إلى أثر البيئة العلمية التي نشأ فيها الإمام الدارقطنيُّ في نبوغه الحديثيّ في علم العلل خصوصًا: أنه ذكر شيخَه عليَّ بنَ بُخَار الرازي، فقال: «شيخٌ كتبنا عنه في دار القطن، حدثنا عن عبدالرحمن بن أبي حاتم بعلل الحديث وسؤالاته لأبيه ولأبي زرعة في ذلك»(1)، والظاهر أن هذه الكتابة كانت في مطلع طلب الدارقطني، لأن المعتاد أن يبدأ المحدِّث بالأقرب فالأقرب من شيوخه، ولذا فقد ذكر في حديثٍ أنه سمعه «في دار القطن، في سنة ست عشرة وثلاثمائة»(2)، فيظهر أن سماعه من شيوخ محلَّته وقع في بدايات كتابته للحديث.
وإذا ترجَّح ذلك، فلا شكَّ أن سماعَه لعلل ابن أبي حاتم في مطلع حياته العلمية، وكونَ راويه جارًا لهم، سيكون له بالغُ الأثر في فهم الدارقطني لهذا النوع المهم من أنواع علم الحديث، وتكوُّن مهاراته وأدواته لديه قبل أن يبدأ جمعَ مادَّته العلمية من خلال توسُّعه في طلب الحديث، ورحلاته ومذاكراته فيه.
هذا فضلًا عن أن عددًا من شيوخه القدماء كانوا من الحفَّاظ النقَّاد المتكلمين في علل الحديث، ونقد الرواة والمرويات، كابن أبي داود (ت 316هـ)، والبغوي (ت 317هـ)، وابن صاعد (ت 318هـ)، وغيرهم.
(1) المؤتلف والمختلف (4/2230)، تاريخ بغداد (13/274).
(2) الرابع من الأفراد (15).
أضف تعليق