مجرَّد وقوع التفرُّد محلٌّ للاستشكال والنظر عند الأئمة، ومظنَّةٌ عندهم لخطأ الراوي، ولذا خرَجَ بحثُهم من أفراد الضعفاء إلى أفراد الثقات، ثم إلى أفراد الحفَّاظ.
وقد قال الحافظُ ابنُ الصلاح في أحد نوعَي الحديث الشاذ: «الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يُوجِبُه التفرُّدُ والشذوذُ من النكارة والضَّعف»(1)، فمن المتقرِّر أن التفرُّدَ يوجب شيئًا من النكارة والضَّعف -على تفاوتٍ في ذلك دون شك-، وأن ذلك يفتقر إلى ما يجبره.
وبناءً عليه جعل ابنُ الصلاح التفرُّدَ أولَ أمارات العلَّة، فقال: «ويُستعان على إدراكها بتفرُّد الراوي…»(2).
ويؤسِّس لهذا الأمر ما هو مشهورٌ من منهج الأئمة في التحذير من الغرائب والشواذ في الجملة، وكلماتهم في ذلك كثيرة مشهورة.
ويكون هذا أوضحَ ما يكون في باب الجرح والتعديل، فإنَّ كثرةَ التفرُّد سببٌ من أسباب ضعف الراوي، وقد سئل شعبة بن الحجاج عمَّن يُترك حديثُه؟ فذكر أمورًا منها: «إذا حدَّث عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون»، وفي رواية: «فأكثَرَ»(3)، أي: من التفرُّد، وقال الإمام أحمد: «في حديث ابن وهب عن ابن جريج شيء»، قال أبو عوانة الإسفراييني: «صدق، لأنه يأتي عنه بأشياء لا يأتي بها غيره»(4)، ويكثر عند الأئمة جرحُ الراوي بأنه لا يتابع، ويُغرب، ونحو ذلك، وقد ذكر الحافظُ الذهبيُّ فيما تقرَّر في علم الحديث: «أن إكثارَ الراوي من الأحاديث التي لا يُوافَقُ عليها لفظًا أو إسنادًا يُصيِّرُه متروكَ الحديث»(5)، وقال: «فإن روى أحاديثَ من الأفراد المنكرة، غمزوه، وليَّنوا حديثه، وتوقَّفوا في توثيقه»(6).
ومن ذلك جرحهم الراوي ببعض صور التفرد، كالزيادة، فقد كانت زيادة الراوي في الأحاديث مثار طعن فيه، وغمز له، كما قال شعبة في علي بن زيد بن جدعان: «كان رفَّاعًا»(7)، وسئل أحمد عن حجاج بن أرطاة: ما شأنه -أي: ما سبب ضعفه والكلام فيه؟-، فقال: «شأنه أنه يزيد في الأحاديث»(8).
(1) علوم الحديث (ص79).
(2) المصدر نفسه (ص90).
(3) الجرح والتعديل (2/32)، المحدث الفاصل (ص410)، الكامل (925).
(4) تهذيب التهذيب (2/454).
(5) ميزان الاعتدال (3/152).
(6) الموقظة (ص78).
(7) المعرفة والتاريخ (2/109)، واستعملها بعض الأئمة في غيره، وانظر بيان معناها في: جامع الترمذي (5/46)، وسير أعلام النبلاء (6/130).
(8) العلل ومعرفة الرجال، برواية الميموني (ص245).
أضف تعليق